يقدّم الكاتب سياياد ماداي، محلل السياسات والقانون المقيم في نيروبي، قراءة استراتيجية لتصاعد التوتر بين إثيوبيا ومصر بعد إعلان أديس أبابا خطة لبناء ثلاث سدود جديدة على النيل الأزرق، في خطوة تعمّق أزمة المياه وتفتح الباب أمام تحولات جيوسياسية خطيرة في شرق أفريقيا.
يعرض موقع منتدى الشرق الأوسط هذا التطور باعتباره نقطة تحول في صراع طويل حول مياه النيل، حيث تدخل المنطقة مرحلة جديدة من إعادة تشكيل ميزان القوى المائي والاقتصادي بين دول المنبع ودول المصب.
سدود إثيوبية جديدة تعيد رسم خريطة النيل الأزرق
تعلن إثيوبيا عن خطة لإنشاء ثلاثة سدود كبرى على النيل الأزرق هي كارادوبي ومندايا وبيكو أبو بتكلفة ضخمة تصل إلى 3.5 مليار دولار لكل سد، مع جدول تنفيذ يمتد بين أربع وسبع سنوات. ترتفع الطاقة الإنتاجية الإجمالية لهذه المشروعات لتضيف أكثر من خمسة آلاف ميغاواط، إلى جانب سد النهضة الذي دخل الخدمة مؤخرًا، ما يمنح إثيوبيا قدرة غير مسبوقة على التحكم في تدفق المياه نحو دول المصب.
تؤكد الحكومة الإثيوبية أن هذه المشروعات تأتي ضمن خطة وطنية لتحويل البلاد إلى مركز طاقة إقليمي، وتوسيع صادرات الكهرباء إلى دول الجوار، بينما تعتمد التصاميم الهندسية على دمج السدود في منظومة واحدة للتحكم في التدفق وتوليد الطاقة بكفاءة عالية، مع تعزيز السيطرة على الموارد المائية في النيل الأزرق.
قلق مصري متصاعد وضغوط على الأمن المائي
تتصاعد التحذيرات في القاهرة مع اتساع نطاق المشروع، حيث يحذر خبراء المياه من أن هذه السلسلة من السدود تمنح إثيوبيا قدرة شبه كاملة على التحكم في تدفق النهر، ما ينعكس مباشرة على إنتاج الكهرباء في السد العالي ويهدد الأمن المائي المصري. تعتمد مصر بشكل شبه كامل على مياه النيل لتلبية احتياجاتها، ما يجعل أي تغيير في التدفق مصدر تهديد استراتيجي مباشر.
تزداد الأزمة تعقيدًا مع غياب إطار قانوني ملزم ينظم عملية ملء وتشغيل السدود الجديدة، بينما تلجأ مصر إلى حلول مكلفة مثل تحلية المياه وإعادة استخدام الصرف، في محاولة للتكيف مع واقع مائي جديد يتشكل خارج إرادتها التقليدية.
تصعيد إقليمي وتحولات في ميزان القوى
تتجه القاهرة إلى تعزيز حضورها العسكري والدبلوماسي في محيط القرن الأفريقي، مع توسع في استخدام الموانئ الإريترية والجيبوتية، إضافة إلى تحركات عسكرية في الصومال، في محاولة لخلق شبكة نفوذ موازية للنفوذ الإثيوبي المتصاعد. تتقاطع هذه التحركات مع تحالفات إقليمية معقدة تشمل أطرافًا متباينة المصالح، ما يعكس حجم التحول في استراتيجيات القوى الإقليمية.
في المقابل، تواصل إثيوبيا تمويل مشاريعها داخليًا دون الاعتماد على قروض دولية، ما يمنحها قدرة على الاستمرار رغم الضغوط الخارجية. ومع احتمالية انهيار التحالفات الهشة في السودان والصومال، تتراجع فرص تشكيل جبهة مضادة فعالة، بينما تتجه المنطقة نحو إعادة تعريف موازين القوة على أساس السيطرة على الموارد المائية والطاقة.
تشير القراءة الاستراتيجية إلى أن مشروع السدود لا يمثل مجرد تطوير بنية تحتية، بل يعكس انتقال إثيوبيا إلى موقع الفاعل المركزي في حوض النيل، في مقابل تراجع قدرة مصر على فرض شروطها التقليدية، ما يفتح الباب أمام مرحلة طويلة من إعادة تشكيل النفوذ الإقليمي في شرق أفريقيا.
https://www.meforum.org/mef-observer/ethiopia-dams-the-nile-for-power-cairo-prepares-for-war

